محمد بن جرير الطبري
288
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتنا أو نصفه فقد يريد ونصفه وقال آخرون : " أو " في هذا الموضع بمعنى " وبل " ، فكان تأويله عندهم فهي كالحجارة بل أشد قسوة ، كما قال جل ثناؤه : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ بمعنى : بل يزيدون . وقال آخرون : معنى ذلك : فهي كالحجارة أو أشد قسوة عندكم . قال أبو جعفر : ولكل مما قيل من هذه الأَقوال التي حكينا وجه ومخرج في كلام العرب ، غير أن أعجب الأَقوال إلي في ذلك ما قلناه أولا ، ثم القول الذي ذكرناه عمن وجه ذلك إلى أنه بمعنى : فهي أوجه في القسوة من أن تكون كالحجارة أو أشد ، على تأويل أن منها كالحجارة ، ومنها أشد قسوة ؛ لأَن " أو " وإن استعملت في أماكن من أماكن الواو حتى يلتبس معناها ومعنى الواو لتقارب معنييهما في بعض تلك الأَماكن ، فإن أصلها أن تأتي بمعنى أحد الاثنين ، فتوجيهها إلى أصلها من وجد إلى ذلك سبيلا أعجب إلي من إخراجها عن أصلها ومعناها المعروف لها . قال : وأما الرفع في قوله : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فمن وجهين : أحدهما أن يكون عطفا على معنى الكاف التي في قوله : كَالْحِجارَةِ لأَن معناها الرفع ، وذلك أن معناها معنى مثل : فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة . والوجه الآخر : أن يكون مرفوعا على معنى تكرير " هي " عليه فيكون تأويل ذلك : فهي كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ . يعني بقوله جل ذكره : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وإن من الحجارة حجارة يتفجر منها الماء الذي تكون منه الأَنهار ، فاستغنى بذكر الماء عن ذكر الأَنهار ، وإنما ذكر فقال " ومنه " للفظ " ما " . والتفجر : التفعل من فجر الماء ، وذلك إذا تنزل خارجا من منبعه ، وكل سائل شخص خارجا من موضعه ومكانه فقد انفجر ماء كان ذلك أو دما أو صديدا أو غير ذلك ، ومنه قوله عمر بن لجأ : ولما أن قرنت إلى جرير * أبى ذو بطنه إلا انفجارا يعني : إلا خروجا وسيلانا . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ يعني بقوله جل ثناؤه وإن من الحجارة لحجارة تشقق . وتشققها : تصدعها . وإنما هي : لما يتشقق ، ولكن التاء أدغمت في الشين فصارت شينا مشددة . وقوله : فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ فيكون عينا نابعة وأنهارا جارية . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وإن من الحجارة لما يهبط : أي يتردى من رأس الجبل إلى الأَرض والسفح من خوف الله وخشيته . وقد دللنا على معنى الهبوط فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وأدخلت هذه اللامات اللواتي في " ما " توكيدا للخبر . وإنما وصف الله تعالى ذكره الحجارة بما وصفها به من أن منها المتفجر منه الأَنهار ، وأن منها المتشقق بالماء ، وأن منها الهابط من خشية الله بعد الذي جعل منها لقلوب الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل مثلا ، معذرة منه جل ثناؤه لها دون الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل إذ كانوا بالصفة التي وصفهم الله بها من التكذيب لرسله والجحود لآياته بعد الذي أراهم من الآيات والعبر وعاينوا من عجائب الأَدلة والحجج مع ما أعطاهم تعالى ذكره من صحة العقول ومن به عليهم من سلامة النفوس التي لم يعطها الحجر والمدر ، ثم هو مع